فخر الدين الرازي
100
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اللّه عنه يقول : سمعت الشيخ أبا القاسم الأنصاري يقول : حضر الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير الميهني مع الأستاذ أبي القاسم القشيري فقال الأستاذ القشيري : المحققون قالوا ما رأينا شيئا إلا ورأينا اللّه بعده ، فقال الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير : ذاك مقام المريدين أما المحققون فإنهم ما رأوا شيئا إلا وكانوا قد رأوا اللّه قبله ، قلت : وتحقيق الكلام أن الانتقال من المخلوق إلى الخالق إشارة إلى برهان الآن ، والنزول من الخالق إلى المخلوق برهان اللم ، ومعلوم أن برهان اللم أشرف ، وإذا ثبت هذا فمن أضمر الفعل أولا فكأنه انتقل من رؤية فعله إلى رؤية وجوب الاستعانة باسم اللّه / ومن قال : ( باسم اللّه ) ثم أضمر الفعل ثانيا فكأنه رأى وجوب الاستعانة باللّه ثم نزل منه إلى أحوال نفسه . المسألة الثانية : إضمار الفعل أولى أم إضمار الاسم ، قال الشيخ أبو بكر الرازي : نسق تلاوة القرآن يدل على أن المضمر هو الفعل ، وهو الأمر ، لأنه تعالى قال : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 4 ] والتقدير قولوا إياك نعبد وإياك نستعين ، فكذلك قوله : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * التقدير قولوا بسم اللّه ، وأقول : لقائل أن يقول : بل إضمار الاسم أولى ، لأنا إذا قلنا تقدير الكلام بسم اللّه ابتداء كل شيء كان هذا إخبارا عن كونه مبدأ في ذاته لجميع الحوادث وخالفا لجميع الكائنات ، سواء قاله قائل أو لم يقله ، وسواء ذكره ذاكر أو لم يذكره ، ولا شك أن هذا الاحتمال أولى ، وتمام الكلام فيه يجيء في بيان أن الأولى أن يقال قولوا الحمد للّه أو الأولى أن يقال الحمد للّه ، لأنه إخبار عن كونه في نفسه مستحقا للحمد سواء قاله قائل أو لم يقله . المسألة الثالثة : الجر يحصل بشيئين : أحدهما : بالحرف كما في قوله : « باسم » والثاني : بالإضافة كما في « اللّه » من قوله : « باسم اللّه » وأما الجر الحاصل في لفظ « الرحمن الرحيم » فإنما حصل لكون الوصف تابعا للموصوف في الإعراب ، فههنا أبحاث : أحدها : أن حروف الجر لم اقتضت الجر ؟ وثانيها : أن الإضافة لم اقتضت الجر ؟ وثالثها : أن اقتضاء الحرف أقوى أو اقتضاء الإضافة ، ورابعها : أن الإضافة على كم قسم تقع ، قالوا إضافة الشيء إلى نفسه محال ، فبقي أن تقع الإضافة بين الجزء والكل ، أو بين الشيء والخارج عن ذات الشيء المنفصل عنه ، أما القسم الأول فنحو « باب حديد ، وخاتم ذهب » لأن ذلك الباب بعض الحديد وذلك الخاتم بعض الذهب ، وأما القسم الثاني فكقولك : « غلام زيد » فإن المضاف إليه مغاير للمضاف بالكلية ، وأما أقسام النسب والإضافات فكأنها خارجة عن الضبط والتعديد ، فإن أنواع النسب غير متناهية . المسألة الرابعة : كون الاسم اسما للشيء نسبة بين اللفظة المخصوصة التي هي الاسم وبين الذات المخصوصة التي هي المسمى ، وتلك النسبة معناها أن الناس اصطلحوا على جعل تلك اللفظة المخصوصة معرفة لذلك الشيء المخصوص ، فكأنهم قالوا متى سمعتم هذه اللفظة منا فافهموا أنا أردنا بها ذلك المعنى الفلاني ، فلما حصلت هذه النسبة بين الاسم وبين المسمى لا جرم صحت إضافة الاسم إلى المسمى ، فهذا هو المراد من إضافة الاسم إلى اللّه تعالى . المسألة الخامسة : قال أبو عبيد : ذكر الاسم في قوله : « بسم اللّه » صلة زائدة ، والتقدير باللّه قال ، وإنما ذكر لفظة الاسم : إما للتبرك ، وإما ليكون فرقا بينه وبين القسم ، وأقول / والمراد من قوله : « بسم اللّه » قوله : ابدءوا بسم اللّه ، وكلام أبي عبيد ضعيف ، لأنا لما أمرنا بالابتداء فهذا الأمر إنما يتناول فعلا من أفعالنا ، وذلك الفعل هو لفظنا وقولنا ، فوجب أن يكون المراد أبدأ بذكر اللّه ، والمراد أبدأ ببسم اللّه ، وأيضا فالفائدة فيه أنه كما